محمد بن وليد الطرطوشي

355

سراج الملوك

وقال أبو رهم « 1 » : كانت أرض مصر أرضا مدبّرة « 2 » حتى أن الماء ليجرى تحت منازلها وافنيتها ، فيحبسوه كيف شاءوا ، ويرسلوه كيف شاءوا ، وذلك قول فرعون : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الزخرف : 51 ] وكان ملك مصر عظيما ، لم يكن في الأرض أعظم من ملك مصر ، وكانت الجنّات بحافتى النيل متصلة ، لا ينقطع منها شيء عن شيء ، والزرع كذلك من أسوان إلى رشيد ، وكانت أرض مصر كلها تروى من ستّة عشر ذراعا لما دبّروا في جسورها وحافّاتها ، والزروع ما بين الجبلين من أولها إلى آخرها ، وذلك قوله تعالى : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ [ الدخان : 25 ، 26 ، 27 ] والمقام الكريم : المنابر وكان بها ألف منبر . وقال عبد الله بن عمرو « 3 » : استعمل فرعون هامان « 4 » على حفر خليج سردوس « 5 » ، فأخذ في حفره وتدبيره ، فجعل أهل القرى يسألونه أن يجرى الخليج تحت قريتهم ويعطوه مالا ، وكان يذهب به من قرية إلى قرية ، من الشرق إلى الغرب ، ومن الشمال إلى القبلة ، ويسوقه كيف أراد ، فليس في مصر خليج أكثر عطوفا منه ، فاجتمع له من ذلك أموال عظيمة فحملها إلى فرعون وأخبره بالخبر ، فقال له فرعون : إنّه ينبغي للسيد أن يعطف على عبيده ، ويفيض عليهم من خزائنه وذخائره ، ولا يرغب فيما بأيديهم ، ردّ على أهل القرى ما أخذت منهم ، فردّ عليهم أموالهم .

--> ( 1 ) أبو رهم : ورد في أسد الغابة أكثر من شخص بهذا الاسم منهم أبو رهم الغفاري الذي شهد أحدا وأصيب بسهم في نحره فبصق عليه الرسول صلى اللّه عليه وسلم فبرئ واستخلفه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم على المدينة مرتين وكان ممن حضر بيعة العقبة ومنهم أبو رهم الأشعري أخو أبو موسى الأشعري . ( 2 ) الأرض المدبّرة : أي الصالحة للزراعة ، والدبار : السواقي بين الزروع . ( 3 ) عبد الله بن عمرو بن العاص من الصحابة المجاهدين روى كثيرا من الأحاديث عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، اشترك في الحروب وكان يضرب بالسيفين وحمل راية أبيه في اليرموك وشهد صفين مع معاوية . وقد روى القصة التي بين أيدينا عن أبيه كما ذكر صاحب معجم البلدان ج 3 / 277 . ( 4 ) هامان : وزير فرعون ، ورد ذكره في القرآن الكريم . ( 5 ) خليج سردوس : ورد في معجم البلدان : ان خلجان مصر كانت سبعة على جوانبها الجنات ومنها هذا الخليج الذي أمر فرعون هامان بحفره ، وكان هامان يأتي أهل كل قرية يسألونه أن يجرى الخليج تحت قريتهم يعطونه مالا قال : ولا يعلم في مصر خليج أكثر عطوفا منه ( والقصة مذكورة في معجم البلدان 3 / 237 ) .